لطالما تحدثت عن ذلك أمام كثيرين، و لطالما وددت الكتابة عن ذلك و لكن في كل مرة كنت أحاول فيها لم أكن أعرف من أين أبدأ، أو كيف أنتهي.
قبل أن أتحدث عن القضية نفسها بزواياها و تفاصيلها و ديكوراتها، فإن الأولى هو الاندفاع نحو فهم الأسباب، و لأنني لست باحثاً متخصصاً في الشؤون البشرية فإنني لم أستطع إجاد فهم واضح لهذه الأسباب، و لكني استطعت أن أجد قاسماً مشتركاً بين كل هؤلاء المثقفين الجدد، من قابلتهم و من لم أقابلهم، جميعهم يتفقون على الفراغ فقط الفراغ و لا شيء سواه.
و لأن هذا الفراغ يتسع لفيل أفريقي أو أكثر، فإن الحاجة باتت ماسة جداً كي يمتليء، و لم يعد هناك فارق بماذا سيمتليء المهم أنه سيمتليء، معرفة ثقافة، علوم أو حتى نسيج من الخيال و أحلام اليقظة التي تجسد نفسها فراغاً داخل الفراغ الواسع.
هؤلاء منهم من يوهم نفسه و كأنه الابن غير الشرعي لدرويش، أو أنه الصديق الوحيد الذي كان يتذكره بين الحين و الآخر عبر رنة من هاتفه الشخصي،و هو في نفس الوقت لم يعلم عن درويش سوى لاعب النرد، و على هذه الارض ما يستحق الحياة.
هؤلاء نفسهم يموتون غيظاً لو بصق أحدهم على أحلام مستغانمي، لأن لا أحد يرغب في أن يفنى عن نفسه ذلك المشهد الجميل، كتاب ذاكرة الجسد تحت الابط، و السيجارة الخفيفة حاضرة، و القهوة المرة في الانتظار.
و من هؤلاء آخرين لا يكتفون بذلك و إنما يريدون المزيد لملئ ذلك الفراغ، و لن يكون ذلك إلا عبر تبني بعض النظريات الشاذة التي ترتقي أمام السذج لتعبر عن مدى الانفتاح على الحياة، و التنوير العقلي، كما البحث في الأمور الغيبية كالقضاء و القدر، و فيما إذا كان الانسان مخير أم مسير، و استحضار أحاديث تلبس فستان الحضارة تدعو إلى وسائل انهاء الصراع بشكل سلمي و التعايش الودي في البلاد.
آخرين يتجملون بغشاء رقيق خلفه قبح ما بعده قبح، لبسوا ثوب الثقافة في محاولة لإخفاء حقيقة لا تخلو من السفالة و القذارة في آن معاً. حتى أصبحت الثقافة و التحرر منزوع الأخلاق هي الموضة الدارجة هذه الأيام.
تجد فلان يمارس جنس الهاتف مع إحداهن من باب التحرر و الانفتاح، و آخر يمارس تحدي الإله سراً و جهراً من باب التحرر و الانفتاح، و كل المبرر هو أن ليس في ذلك مضرة لا لوطن ولا لشخص بعينه ولا لمجتمع ولا لأحد على وجه هذا الكوكب.
يقول الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي: “بإمكان المرء القول أن كل الناس مثقفون، لكن ليس لهم كلهم أن يؤدوا وظيفة المثقفين في المجتمع”.
و يتلوه إدوارد سعيد بأنه: “لا يمكن القيام بدور المثقف دون شعور المرء بأنه إنسان مهمته أن يطرح للمناقشة علناً أسئلة محرجة ويجابه المعتقد التقليدي والتصلب العقائدي”.
أو بكلمات أخرى يمكن أن نفهم أن المثقف عليه أن يكون إنسان قبل كل شيء أي أن ينزع كل التفكير البهائيمي من عقله، و أن يطرح للمناقشة، أي أن يناقش لا أن يعاند و يجهار بالغباء و التصلب فقط لمجرد الاعتراض.
“وبدون المثقفين لم تشتعل أي ثورة رئيسية في التاريخ الحديث وفي المقابل لم تقم أي حركة مضادة للثورة بدون المثقفين”
نستنتج مما سبق أنه طالما حماس تضرب بالسوط أفواهنا و تمشي في كل اتجاه و الكل يضرب لها ألف تعظيم سلام برضا أو بإكراه، فيا قلب لا تتعب ولا تشقى على مثقفينا.
سبتمبر 1, 2010 عند 3:45 ص |
مثقفون فى أغلفه ..
سبتمبر 1, 2010 عند 7:01 م |
صصصصصصااااااح يا ايمن .
انت عبرت عن اشياء جواتي بشكل مخيف .
وينك من زمان ..
سبتمبر 2, 2010 عند 7:46 م |
تحياتي لك
راقني ما كتبت جدا
رغم اختلافي على بعض النقاط
كل شيء نسبي خاصة في ” كتاب”
ربما يعجبني كاتب ولا يعجب سواي هذا لا يلغي جودته ككاتب أو يحقره في نفس الوقت
فالذائقة هي السبب
تحياتي …
سبتمبر 4, 2010 عند 2:07 ص |
المشكلة الأعمق من كل هذا
أن هناكشريحة خرجت جديدًا على الساحة
وهم الشباب الناقم على أشباه المثقفين
بل وأصبح الأمر يُعمّم
حدّ أن الواحد أصبح يخاف التدخين أو شرب القهوة السادة “بناءًا على حديثك”
أنا أؤكد على كلام الصديقة نسمة
الأمر نسبي جدًا ولا نستطيعُ إلغاء المثقّف بناءًا على ما يفعله شبيه المثقّف
أنا أؤكّد كذلك على حديثك بدور التغذية الراجعة للمثقف
إذ أنه بات خاملًا حد أنه نسي دوره الحقيقي
نسي أن يكون انسانًا
أشكرك على اضافتك كأحد من يسخطون على هذه الطبقة
سبتمبر 17, 2010 عند 8:37 ص |
معاك حق..
في شباب بدهم ضرب بالجزم.. وبنات بدهم ضرب بالكنادر
الثقافة سلوك. وليست مظاهر سطحيّة غبيّة
أكتوبر 21, 2010 عند 10:19 م |
هذه مشكلة ثقافية سحرية خنفشارية ممكن ندخّل أي شيء في دائرتها
العلاقة: بعض الأشخاص إذا صار مثقف أو قراله كم كتاب و بدو يعلمنا أنه يقرأ، لازم يصنع لنفسه ( مود متخَـيّـل ) يستغله في الدخول و الخروج حسبما تسول له نفسه التبعية اللي ماعندهاش حكاية
فهذا النمط الذي يجعل من بعضهم يظن بأن الصورة الوااااو للشخص المرغوب به هي في اصطناع كذا و كذا، أليس نمطًا اجتماعياً منتشراً يا أيمن ؟؟ أ ليسوا يكرسون و يرددون و هم ( لا مثقفين؟ ) هون حطنا الجمّال وللا لا؟
صاروا بيشعروا بأنهم يمتلكون خواص إلهية ينطوي تحت سطوتها كل مستضعف محتاج يتلذذ بضعفه،
الحالات الأصح و البيرفكت هي أعمق مما ذكرته
و هالأمر رح يصير أقوى بمرور الوقت على فكرة لأنه بيعشعش بين الناس و لا ينتبه له إلا عين ناقدة تهتم بمشكلات الثقاف